لما جاء جبريل لإبراهيم عليهما السلام ، وإبراهيم ملقى في النار ، والنار تشتعل حوله ، والناس واقفون ينتظرون حرق إبراهيم ، وفي هذه اللحظة الحاسمة التي تدخل الخوف والهلع إلى أقوى القلوب ، لم يشعر إبراهيم عليه السلام أنه في حاجة إلا إلى الله سبحانه وتعالى ، ولم يطلب من جبريل عليه السلام شيئا قائلا له : أما إليك فلا ... لماذا ؟ لأن الله سبحانه وتعالى هو المجيب ، وهو القادر على النصرة في هذا الموقف العصيب ،و هو سبحانه الذي يعلم بما داخل النفس وما يخفيه الإنسان ولا يبيح به لأحد ولذلك يقول يقول الله سبحانه وتعالى : ((فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) )) .طه 7 .
وتتعجب أنت من هذه الآية الكريمة ، أيوجد ما هو أخفى من السر ؟
نقول لك : نعم ، لماذا ؟
لأن السر يكون بين اثنين ، أحدهما أسر به للآخر ، أي يلقيه إليه أو يحدثه عنه ، أو يكلمه فيه ، ولا ثالث بينهما ، هذا هو السر ، ولكن الذي هو أخفى من السر ، هو ما في داخل النفس ، لا يبوح به لأحد ، فهناك أشياء أنت تعرفها، ولا يعرفه أقرب الناس إليك ، هذا هو السر ، سر بينك وبين زوجتك ، أ أخلص أصدقائك ن أما ما هو أخفى من السر ، فه ما تخفيه عن زوجتك ن أو أخلص أصدقائك ، ويبقى في صدرك حبيسا لا يعرفه أحد ، فكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول لنا : إن علمه لا يصل إلى السر فقط الذي بين اثنين ، ولكن علم الله تعالى يصل إلى ما تخفيه الصدور و لا تبوح به ، ومع ذلك فإن الله سبحاه وتعالى أمرنا بالدعاء ، فقال سبحانه :
((ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55))) . الاعراف 55
وقال سبحانه : ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186))) البقرة الآية 186 ، بل أمرنا و أمرنا رسولنا الكريم بالإلحاح في الدعاء والطلب من الله سبحانه وتعالى .
واعلم أنك إذا سألت بشرا فقد يعطيك أو ينعك ، ولكنه إن أعطاك أو منعك ، فهو في هذه الحالة متضرر متأفف ، قد تذهب مرة لتسأله، فيعطيك ، ثم تذهب\مرة أخرى ، فيهرب منك ، أو يطلب من خادمه أو أهل بيته أن يقولوا لك: إنه غير موجود ، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يضجر منك أبدا مهم سلت ، فإنه يطلب منك أن تسأل، ويقول لك : ((ادْعُونِي ))، ويقول لك : إنني قريب منك ، أسمع دعاءك ، ويول الله سبحانه وتعالى :
((ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ )) غافر الآية 60 .
فأنت حين تسأل الله ، تسأل من لا يحرمك إذا سألته ، ولا يهرب منك إذا دعوته ، ولا يصيبه السأم أو الضجر مهما دعوت ، أو مهما سألت ن فهو دائما المجيب ن ومن كمال صفات الله سبحانه وتعالى أنه مجيب للدعاء ، وهذا يستوجب الحمد ، وأن تقول : الحمد لله .
ثم إن الدعاء في ذاته عبادة لله تعالى ، فأكثروا من الدعاء وأجملوا في الطلب .